|
احرزت البحوث العلميه في مجال الهندسه الوراثيه والعلوم
البيولوجيه والطبيه طفره هائله في العقد الاخير من القرن العشرين,
وقد تطورت هذه التقنيه تطورا كبيرا وواكبت في ذلك الثوره الهائله
التي يشهدها العالم في الكم المعرفي الذي اصبح متاحا في مختلف
المجالات الطبيه وذلك كبديل مطروح لحالات الفشل الوظيفي لبعض
الاعضاء البشريه, وقد تركت نتائج هذه البحوث تداعيات كبيره افزعت
علماء الدين واساتذه العلوم الاجتماعيه والسلوكيه نظرا لما خلفته
هذه البحوث من نتائج قد تغير شكل الحياه علي ظهر هذا الكوكب الذي
نعيش فيه.
وفي الحقيقه فان هذه البحوث وان كانت تستهدف
دفع عجله التنميه في مختلف مجالات الحياه الانسانيه, كما تستهدف
تعميق المعرفه العلميه والكشف عن الامراض وعلاج العقم الجنسي,
الا انها قد تجاوزت الحدود الاخلاقيه في احيان كثيره مما قد يسهم
في تدمير الانسان, ويشكل اعتداء صارخا علي حقه في حياه كريمه
وصحه جيده ومقدرات وراثيه امنه, كما ان معطيات هذه البحوث تشكل
تهديدا خطيرا للبيئه التي خلقها الله بكل ما فيها من جمال وتنوع
وتوازن واتساق.
وفي هذا الاطار فان التعامل مع مخلوقات الله
يجب ان يتم في اطار منظومه قيميه واخلاقيه نابعه من الاعراف
الانسانيه والشرائع السماويه بهدف احترام حرمه الحياه وعدم تعريض
مخلوقات الله للاذي او الموت من اجل الحصول علي نتائج علميه قد
تسهم في تدمير الحياه.
وقد استلفتت هذه الظاهره اهتمام علماء الدين
واساتذه العلوم الاجتماعيه واصابتهم بحاله من الهلع, وعكفوا علي
اجراء الدراسات بهدف اصدار التشريعات التي تنظم التجارب علي
الكائنات الحيه بصفه عامه وعلي الانسان بصفه خاصه, وتضع الضوابط
التي تكفل حمايته وكفاله حقه في الحياه الامنه, وتحدد العقوبات
اللازمه لمزاوله هذا النشاط سواء بالبيع او الشراء حرصا علي كرامه
الانسان وعدم تعريضها للتشهير او التشويه او الامتهان او الاعتداء
عليها.
وتاتي قضيه نقل الاعضاء البشريه في مقدمه
القضايا التي يدور حولها نقاش حاد في مختلف الاوساط وعلي كل
الاصعده نظرا لاهميتها الفائقه في انقاذ حياه اعداد كبيره من البشر
من الهلاك, او تاهيلهم لحياه سويه, وقد تطور هذا الاسلوب
العلاجي في الاونه الاخيره تطورا كبيرا وذلك نتيجه التزايد الهائل
في الكم المعرفي الذي اصبح متاحا في هذا الصدد, حتي اصبح هذا
الاسلوب يتصدر كل الاساليب العلاجيه المتاحه في حالات الفشل
الوظيفي للاعضاء البشريه المختلفه, وهذا يتطلب بالضروره وضع
التشريعات الملائمه للمجتمع العربي الذي تحكمه العقيده الا سلاميه
كما تحكمه منظومه من القواعد العقائديه والفكريه والاخلاقيه التي
يختص بها.
ولم تقف البحوث العلميه عند هذا الحد ولكنها
تواصل مسيرتها لتتجاوز تقنيات نقل وزرع الاعضاء والانسجه البشريه
الي نقل واعاده تركيب الجينات الوراثيه في الخلايا البشريه للحد من
لامراض الوراثيه التي تهدد حياه الانسان واتسعت دائره الاهتمام
باقامه بنوك للاعضاء والانسجه البشريه والحيوانيه مثل بنوك الدم
ومشتقاته وبنوك العظام وبنوك العيون وبنوك الجلد وبنوك الالبان
البشريه والامشاج التناسليه والجينات الوراثيه والاجنه.
واذا كان العالم العربي قد حفل مؤخرا بهذه
التقنيه فان الامر يستوجب المسارعه بوضع التشريعات اللازمه
والمواكبه لهذا التطوربما يلائم منظومه القواعد العقديه والاخلاقيه
والفكريه التي تحكم مسيره الحياه في هذا المجتمع, وبما يضمن في
نفس الوقت عدم تخلف العرب عن اللحاق بركب التقدم العلمي والثوره
التكنولوجيه ومواكبه المستجدات التي افرزتها البحوث العلميه في هذا
الصدد, لاسيما ان العالم يشهد تزايدا مطردا في معدلات نقل
الاعضاء والانسجه البشريه والحيوانيه وذلك لزرعها في اجساد المرضي
من البشر بعد ان اقر الخبراء من اهل الاختصاص في مختلف المحافل
الدوليه بان موت جذع الدماغ وهو الذي يعرف بالموت الاكلينيكي او
السريري يعد موتا حقيقيا ونهائيا بما يجعل الحصول علي اعضاء من
اجسام هؤلاء الموتي امرا مسموحا به من الناحيه الطبيه وهي حاله عن
حاله الغيبوبه وهي حاله مرضيه تختلف عن حاله موت جذع الدماغ وتؤثر
بدرجات متفاوته الشده علي مركز الوعي والاحساس.
واذا كانت منظمات حقوق الانسان تعترض علي
عمليات التشريح للحيوانات الحيه, واجراء التجارب العلميه المؤلمه
عليها مثل اختبارات تاثير السموم والعقاقير والاشعاع والميكروبات
والصدمات الكهربائيه والمغناطيسيه وتقوم بحث العلماء للبحث عن
بدائل رحيمه لاجراء هذه الاختبارات, فانه من باب اولي ان يتفق
العرب علي وضع الضوابط اللازمه للحد من التجاوزات والمخالفات
الشرعيه منعا للبلبله والاضطراب وعدم ترك الحبل علي الغارب لكل من
هب ودب ليدلي بدلوه في هذه المساله الدقيقه والحساسه وكذلك وضع
الضوابط الصارمه لاجراء التجارب العلميه علي الانسان الذي رفع الله
قدره فوق سائر المخلوقات.
واذا كانت الشريعه
الاسلاميه قد كرمت الانسان روحا وجسدا سواء كان حيا او ميتا
واعتبرت جسده امانه لايجوز التصرف فيها الا بالحق, حتي لو كان
هذا التصرف صادرا من صاحب الجسد نفسه, فانه يصبح من الاهميه
بمكان الاتفاق علي كلمه سواء بين العلماء والفقهاء علي شرعيه نقل
الاعضاء البشريه وكيفيه هذا النقل ذلك ان شريعه الاسلام قد اكدت
الاهتمام بصحه الانسان وحياته, كما اكدت اهميه توظيف كل وسائل
العلاج التي تكفل له الحياه الكريمه الخاليه من الامراض, وهذا
يعني انه لايجوز للانسان ان يبيع عضوا من اعضائه, او تتم
المتاجره في الاعضاء البشريه نظير مقابل مادي, لان اعضاء الانسان
ليست محلا للبيع او الشراء, فهذا الامر محرم شرعا, الا في
الحدود التي تتطلب انقاذ حياه مريض علي مشارف الهلاك وذلك اذا صرح
الطبيب المؤمن المتخصص بان هذا التبرع لا يترتب عليه ضرر بالشخص
المتبرع, بل يترتب عليه نفع كبير بالنسبه للمتبرع له وذلك اتساقا
مع القاعده الفقهيه التي تقرر بان الضرر الاشد يزال بالضرر
الاخف.
وفي هذا الاطار فانه
يجوز تبرع الانسان الحي لغيره من البشر بعضو من اعضائه بشرط ان
يكون هذا التبرع صادرا من انسان كامل الاهليه انطلاقا من ان
الشريعه الاسلاميه قد كرمت الانسان بعد موته, ونهت عن الاعتداء
علي جسده او تشويه هذا الجسد, معتبره ان الموت الشرعي هو مفارقه
الحياه للانسان مفارقه كامله يترتب عليها توقف كل الاعضاء عن اداء
وظائفها, وفي هذه الحاله فانه يجوز نقل عضو من اعضاء جسد الميت
الي جسد انسان حي اذا كان هذا الانسان قد اوصي بذلك قبل وفاته,
او شهد علي ذلك اثنان من ورثته شريطه ان يتم هذا النقل دون
مقابل, وشريطه الا يؤدي العضو المنقول الي اختلاط الانساب.
وقد حرمت الشريعه
الاسلاميه نقل البويضات الانثويه من امراه الي اخري, او استخدام
السائل المنوي للرجل في تلقيح بويضات امراه اخري غير زوجته, كما
حرمت اقامه بنوك للالبان البشريه تفاديا لمشكلات الخلط في رضاعه
الاطفال, وفي نفس الوقت فانها قد حرمت نقل الجينات من والي
الامشاج التناسليه البشريه بهدف استنساخ الانسان البشري لما ينطوي
علي ذلك من تغيير خلق الله عز وجل. |